السيد محمد بيرم الخامس التونسي

160

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

والمضار للمخلوق ، لأنه تعالى منزه عن الاحتياج لشيء ، وكل ما ورد به الشرع فإنما هو لهدايتنا لما ينفعنا فنؤمر به أو لما يضرنا فننهى عنه ، وحيث لم يكن في طوق عقولنا الإحاطة بعلم جميع ذلك لأن بعضها يتوقف على علوم تشيب الغراب ، وهو تعالى خالقنا الرؤوف العالم بنا ورسوله هو الأب الرحيم بخلق اللّه ونحن على يقين من ذلك وللّه الحمد ، فما علينا إلا أن نتبع ما شرع لنا موقنين ومسلمين أن ذلك هو الصالح بنا كتسليم الابن لأبيه العاقل ، وتسلم الجند لرئيسه الخبير من غير بحث عن موجب تكاليفه مع أن المشبه به يمكن فيه حصول الإعلام بالبواعث ، غير أنه ترك حذرا من فوات الفرص وإطالة الأمر بخلاف المشبه ، فقد علمنا عجز عقولنا عن إدراك جميع مصالحنا بتعاليلها ولذلك ما أمكن إدراكه . قلنا إنه معقول المعنى وما لم ندركه عملنا به ، وقلنا إنه تعبدي والكل معقول في نفس الأمر ، فالشيء المحرّم إذا اضطر للتداوي به ليس المعنى أنه يرتفع الضرر الذي حرم من أجله ، بل أن الضرر الحاصل الذي يراد دفعه به أعظم من الضرر السابق فيرتكب أخف الضررين كما هي القاعدة الشهيرة ، فالخمر مثلا المحرّم لتوقع جرّه إلى إفساد العقل إذا غض الإنسان وخشي الهلاك ، جاز له شربه لدفع الهلاك الذي هو أعظم ضررا من توقع جرّه لإفساد العقل ، ولا يقال إنه على هذا يلزم التوقف في كل جزئية على علم مفسدة المحرّم الذي أريد استعماله وحرم من أجلها ومقايستها بالمفسدة التي يراد دفعها به ، مع أنك مصرح بعدم علم الجميع ، والقائلون بالجواز لم يخصصوا ما علمت مراتبه وقيس بينها ، لأنا نقول القواعد الكلية في مثل ذلك كافية في حصول المقصود ، وقد علمنا منها أن حفظ النفس هو ثاني مرتبة بعد حفظ الدين وجميع الأشياء المبحوث عنها آيلة إلى حفظ النفس من الهلاك ، والهلاك أعظم مفسدة ومضرة من كل ما يمكن أن يكون في الأشياء المحرمة من أسباب التحريم الراجعة إلى أجزاء خاصة من النفس كالعقل مثلا ، فيقدّم حفظ النفس جميعها عليها ولا يمس ذلك الدين لأن محله القلب أي الروح التي هي محل الإعتقاد ، وذلك لا يخرج منه إلا بما دخل فيه كما هي العبارة المشهورة ، ولذلك صرح الفقهاء بأنه لا يفتى بالردة « 1 » استعجالا حتى يثبت اضطراب العقيدة والعياذة باللّه ، ولو صرح

--> ( 1 ) الردة : أي الرجوع وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه وفي التنزيل مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [ البقرة : 217 ] . واعلم أن العلماء من أهل المذاهب الأربعة قد وضعوا بابا خاصا سموه باب « الردّة » فقسموا الردة أي ما يخرج من الإسلام ثلاثة أقسام : الكفر اللفظي ، والكفر الفعلي ، والكفر الاعتقادي . وذكروا أنه يترتب على كل قسم من الأقسام الثلاثة حبوط ثواب الأعمال الحسنة جميعها وذهاب عصمة النكاح إذا حصلت من أحد الزوجين . يحصل كثيرا من كثير من الناس الاعتراض على تكفير من يتكلم بكلمة كفر من سب اللّه وغيره محتجين بدعوى التأويل في الألفاظ الصريحة ، وهؤلاء يجرؤون الناس على التمادي في التورط ولا يدرون أن